المقداد السيوري
516
اللوامع الإلهية في المباحث الكلامية
وأمّا الإرادة التشريعية فهي التي تتعلّق بفعل الغير وبصدور العمل عنه باختياره ، وهذه الإرادة أيضا تكون في الإنسان بعد المقدّمات التي ذكرناها من تصوّر الشيء المراد والفائدة والميل والعزم والشوق المؤكّد ، فالوالد يريد من ابنه أن يتعلّم العلم فيأمره بذلك ، فإنّ بعد المقدّمات يأمر ابنه بتعلّم العلم أو ينهاه عن شيء ، وهذه الإرادة التشريعية - كما قلنا في التكوينية - تصدر عن الباري تعالى وتتعلّق بأفعال المكلّفين ، وليست في حقّ اللّه تعالى إلّا الأوامر والنواهي ، بمعنى التشريع باختيار المكلّفين ؛ ولذا نقول : إنّ الإرادة التي لا محيص عنها في التكليف حتّى يكون جدّيا لا صوريا هي الإرادة التشريعية ، والتشريع هو تعليم اللّه تعالى عباده كيفية سلوكهم في طريق العبودية . ثمّ نقول : إنّ الإرادتين - أعني التكوينية والتشريعية - قد استعملتا في القرآن الكريم ، فنحن نذكر بعض الآيات القرآنية حتّى يثبت ذلك ، ثمّ نشرع في تحقيق أنّ الإرادة في آية التطهير هل هي من قبيل الإرادة التكوينية أو التشريعية ؟ قال اللّه تعالى : إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ . ولا شكّ أنّ معنى يُرِيدُ هو الإرادة التكوينية وأنّها لا تتخلّف عن المراد وهو يتحقّق قطعا . قال تعالى : إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ « 1 » . فاللّه تعالى يبيّن في هذه الآية كيفية تحقّق المراد بإرادته التكوينية ، وأنّها لا تتخلّف عن مراده ، ويلبس المطلوب لباس الوجود بمجرّد الإرادة من غير حالة منتظرة . وكما يقول تعالى : فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ لا ريب أنّ المراد الإرادة التكوينية من اللّه تعالى . وإلى غير ذلك من الآيات الشريفة التي يطول الكلام بذكر كلّها . وأمّا استعمال الإرادة التكوينية في الآيات القرآنية بالنسبة إلى إرادة الإنسان ، فمنها
--> ( 1 ) يس 36 : 82 .